صديق الحسيني القنوجي البخاري

66

فتح البيان في مقاصد القرآن

التقرير أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان كفر بعضهم كفر جهل وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع اعترافهم باللّه وعدم الجحد لربوبيته ومثل هذه الآية قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [ النمل : 14 ] . ولما بيّن سبحانه من حال هؤلاء أنهم عرفوا نعمة اللّه ثم أنكروها وإن أكثرهم كافرون أتبعه بأصناف وعيد يوم القيامة فقال : وَ اذكر يَوْمَ نَبْعَثُ أي نحيي ونخرج مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أو المعنى يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم بالإيمان والتصديق وعليهم بالكفر والجحود والتكذيب . قال ابن عباس : شهيدها نبيها ، على أنه قد بلغ رسالات ربه ، قال اللّه : وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] قال ذكر لنا أن نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه وذلك اليوم هو يوم القيامة . ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر كقوله سبحانه : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات : 36 ] أو في كثرة الكلام أو في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف أو في حالة شهادة الشهود ، بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود أو لا يؤذن لهم في معارضة الشهود بإلقاء معذرة أو إدلاء بحجة بل يشهدون عليهم ويقرونهم على ذلك ، وايراد ثُمَّ ههنا للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع عن الاعتذار المنبىء عن الاقناط الكلي أشدّ من ابتلائهم بشهادة الأنبياء . وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي اللّه من العبادات ، لأن العتاب إنما يطلب لأجل العود إلى الرضاء ، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب . والمعنى أنهم لا يسترضون أي لا يكلفون أن يرضوا ربهم . لأن الآخرة ليست بدار عمل ولا تكليف ، ولا يتركون إلى رجوع الدنيا فيتوبون . وأصل الكلمة من العتب وهو الموجدة ، يقال عتب عليه يعتب إذا وجد عليه وبابه ضرب ونصر ، فإذا أفاض عليه ما عاتب فيه عليه ، قيل عاتبه فإذا رجع إلى مسرته قيل أعتبه والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب قاله الهروي ، فالاستعتاب التعرض لطلب الرضاء ، وهذا باب منسد على الكفار في الآخرة . وفي الخطيب أي لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون ؛ يقال استعتبت فلانا أي أزلت عتباه ، انتهى . واستغفل بمعنى أفعل غير مستنكر . قال الخليل : العتاب مخاطبة الادلال ومذاكرة الموجدة ، وعاتبه معاتبة وعتابا وأعتبه سره بعدما ساء واستعتب وأعتب بمعنى واستعتب أيضا طلب أن يعتب ، أي استرضاه فأرضاه .